الشيخ محمد رشيد رضا

198

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

واستمرؤا مرعى الغي والفساد ، ان ينفروا من الهدى والرشاد ، فان رأى أحدهم سبيله واضحة جلية لا يختار لنفسه جعلها سبيلا له بايثارها وتفضيلها على هو عليه ، وما كل أحد يصل إلى هذه الدرجة من الغيّ لان من الناس من يسلك سبيل الغي على جهل فإذا علم بما تنتهي به اليه من الفساد ورأى لنفسه مخرجا منها تركها ، واختار سبيل الرشد عليها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وهذه الحالة شر مما قبلها فان هذه إيجابية وتلك سلبية ، وبينهما حال أخرى وهي حال من ليس فيه من نور البصيرة وزكاء النفس ما يحمله على سلوك سبيل الرشد إذا رآه لضعف همته ؛ ولكنه يكره الغي والفساد إذ لم يصل من اعتلال الفطرة وظلمة البصيرة إلى تفضيله على الرشد وايثار سبيله واختيارها لنفسه إذا رآها بحيث لا يصرفه عن الفساد الا جهل سبيله أو العجز عن سلوكها فمن اجتمعت له هذه الأحوال أو الصفات فهو الذي أضله اللّه على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فلم تبق له سبيل من أسباب الحق والرشد يسلكها ، وقد علل ذلك سبحانه بقوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ يعني ان اللّه تعالى لم يخلقهم مطبوعين على شيء مما ذكر طبعا ، ولم يجبرهم ويكرههم عليه اكراها ، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم للتكذيب بآياته الدالة على الحق ، والصدود عن سبيله الموصلة إلى الرشد ، وكانوا غافلين عنها دون أهوائهم لا يعطونها حقها من النظر والتأمل والتفكر والتدبر ، لاشتغالهم عن ذلك بأهوائهم ، وعصبيتهم لأنفسهم ولآبائهم ، وبذلك قطعوا على أنفسهم طريق الهدى ، فالغفلة هنا هي الغفلة المطبوعة المانعة من أسباب العلم والفطنة ، لا أي نوع من أنواع الغفلة ، بل هي المبينة في قوله تعالى من أواخر هذه السورة ( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) الضالون من هؤلاء الغافلين عن آيات اللّه تعالى وما تهدي اليه من معرفته والاستعداد للحياة الاخري الباقية هم الذين يقول اللّه تعالى في وصفهم ( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) . ويقول ( قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً ) إذ كان لهم من الانهماك فيما هم فيه والغرور به واحتقار ما سواه ما يصدهم عن توجيه عقولهم إلى غيره ،